ابن كثير
154
البداية والنهاية
السحر فدفع إليه غلاما فكان يعلمه السحر وكان بين الملك وبين الساحر راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه ، فأعجبه نحوه وكلامه وكان إذا أتى الساحر ضربه ، وقال ما حبسك ؟ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا : ما حبسك ؟ فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي ، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل حبسني الساحر ، قال فبينا هو ذات يوم إذ أتى على دابة ( 1 ) فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا فقال اليوم أعلم أمر الساحر أحب إلى الله أم أمر الراهب ؟ قال : فأخذ حجرا فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس ، ورماها فقتلها ، ومضى [ الناس ] فأخبر الراهب بذلك . فقال : أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم الله على يديه ، وكان جليس للملك فعمى فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة ، فقال : اشفني ولك ما ههنا أجمع فقال : ما أنا اشفي أحدا ، إنما يشفي الله عز وجل ، فإن آمنت به ودعوت الله شفاك فآمن فدعا الله فشفاه . ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس ، فقال له الملك : يا فلان من رد عليك بصرك ؟ فقال : ربي قال : أنا . قال : لا ربي ، وربك الله قال : ولك رب غيري ؟ قال : نعم ربي وربك الله فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام [ فبعث إليه ] فأتي به فقال : أي بني بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء ، قال : ما أشفي أنا أحدا إنما يشفي الله عز وجل ، قال : أنا قال : لا قال : أو لك رب غيري ؟ قال ربي وربك الله . قال : فأخذه أيضا بالعذاب ، ولم يزل به حتى دل على الراهب ، فأتى الراهب فقال : ارجع عن دينك ، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه وقال للأعمى ارجع عن دينك ، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه [ في الأرض ] وقال للغلام ، ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا وقال إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه [ من فوقه ] فذهبوا به فلما علوا الجبل قال : اللهم أكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل ، فدهدهوا أجمعون . وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال : ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله ، فبعث به مع نفر في قرقرة ( 2 ) فقال : إذا لججتم البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاغرقوه في البحر فلججوا به البحر فقال الغلام : اللهم اكفنيهم بما شئت [ فانكفأت بهم السفينة ] ( 3 ) فغرقوا أجمعون ، وجاء الغلام حتى دخل على الملك ، فقال : ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله [ عز وجل ] ثم قال للملك : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني ، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي قال : وما هو قال تجمع الناس في
--> ( 1 ) في الترمذي : أن الدابة كانت أسدا . ( 2 ) قرقرة : وفي المسند وصحيح مسلم قرقور وهو الصواب ، والقرقور : السفينة الصغيرة . ( 3 ) من صحيح مسلم .